أخبار

طلب استجواب برلماني لعراقجي حول «اتصالات نيويورك»

أثارت الاتصالات غير المباشرة التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع الوفد الأميركي في نيويورك جدلاً سياسياً واسعاً وصل إلى حد تسجيل طلب لاستجوابه في البرلمان.

وكشف هذا الجدل بنية اتخاذ القرار حول التفاوض مع الولايات المتحدة والذي يمر عبر منظومة متعددة المستويات تبدأ من لجنة سداسية معنية بالتفاوض داخل أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي ثم عبر مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية لتنتهي في القضايا الاستراتيجية والحساسة إلى القرار النهائي للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي بصفته الولي الفقيه ذي الصلاحيات المطلقة. وبينما لا تزال العضوية الكاملة للجنة السداسية غير معلنة رسمياً، فإن روايات غير رسمية تحدثت عن أسماء محددة داخلها،

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي قد كشف في تصريحات سابقة أن هيكلية اللجنة بدأت باعتبارها «اللجنة النووية»، ثم تحولت إلى «لجنة التفاوض»، قبل أن تسمى لاحقاً «اللجنة السداسية». وكانت مهمتها بحث أصل قرار التفاوض، أي ما إذا كان ينبغي الدخول في مفاوضات من الأساس، إضافة إلى تحديد المبادئ والأطر التي تجري المفاوضات على أساسها، على أن تُرفع خلاصاتها وقراراتها إلى المجلس الأعلى للأمن القومي.

وبحسب عراقجي، ترأس اللجنة سابقا أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني الذي قتل في هجوم أميركي، ثم تلاه أمين المجلس علي لاريجاني الذي قتل هو الآخر بهجوم أميركي. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وجود لجنة سداسية داخل المجلس الأعلى للأمن القومي تتولى ملفات التفاوض، كما أكد أن عراقجي عضو فيها، من دون أن يعلن رسمياً أسماء جميع أعضائها.

وفي ظل غياب إعلان رسمي، تداولت مصادر غير رسمية تشكيلة تضم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين إيجئي، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، ورئيس الأركان علي عبد اللهي، وأمين مجلس الأمن القومي وممثل المرشد فيه محسن رضائي، ووزير الخارجية عباس عراقجي.

واللجنة السداسية المعنية بالتفاوض هذه تختلف عن «الفريق السداسي» الذي تحدث عنه الرئيس بزشكيان في تصريحات أخرى باعتباره مجموعة اتخاذ قرار بالتنسيق بين أعضائها.

فالمعلومات المتاحة تشير إلى أن الحديث يدور عن آليتين مختلفتين، رغم التداخل المحتمل بين بعض الشخصيات فيهما ورغم وجود هذه المستويات المتعددة لاتخاذ القرار، فإنه من الصعب تحديد الجهة التي تمتلك القرار النهائي في القضايا الاستراتيجية، ولا سيما في التفاوض مع الولايات المتحدة والملف النووي والقضايا الأمنية الكبرى.

وتشير المعطيات والتصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين إلى أن القرارات الحساسة لا تنتهي عند اللجنة السداسية أو حتى عند المجلس الأعلى للأمن القومي، وإنما تحتاج في الملفات الاستراتيجية والسيادية إلى موافقة المرشد مجتبى خامنئي.

ويعني ذلك أن اللجنة السداسية يمكن أن تكون مساحة لصياغة الخيارات ومناقشة المواقف وتحديد إطار التفاوض، فيما يبقى القرار السياسي الأعلى مرتبطاً بموافقة المرشد.

وأثارت الاتصالات غير المباشرة التي جرت في نيويورك في بين الوفدين الإيراني والأميركي، عبر وسطاء، جدلاً واسعاً داخل إيران. وشارك في المسار من الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، ومن الجانب الأميركي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وبحسب الرواية الأميركية، اقتصرت الاتصالات على نقل الرسائل عبر وسطاء، فيما قالت طهران إن الهدف كان نقل شروطها بشأن إعادة فتح مضيق هرمز.

لكن هذه الاتصالات تحولت سريعاً إلى قضية سياسية داخلية، بعدما شكك منتقدو عراقجي، خصوصاً من التيار المتشدد، في مستوى التنسيق المسبق معها وما إذا كانت قد جرت ضمن التفويض الممنوح لوزير الخارجية. وفي 23 سبتمبر 2026 تصاعدت المطالب باتخاذ إجراءات برلمانية بحقه.

وانتقل الخلاف لاحقاً إلى المسار البرلماني، إذ أكد عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني محمد رشيدي في 6 أكتوبر تسجيل طلب استجواب عراقجي في النظام البرلماني، من دون إحالته حتى ذلك الوقت إلى هيئة رئاسة البرلمان. وتتركز الانتقادات على اتهامات باتخاذ خطوات من دون التنسيق أو الموافقة المطلوبة، وتجاوز ما يعتبره منتقدوه خطوطاً حمراء، إلى جانب الاعتراض على أداء وزارة الخارجية في إدارة الملف الأميركي.

غير أن القضية تطرح إشكالية أوسع، إذ إن عراقجي نفسه عضو في اللجنة السداسية المعنية بالتفاوض، ما يثير سؤالاً حول حدود التفويض الممنوح له: هل كانت اتصالات نيويورك جزءاً من الإطار التفاوضي الذي أقرته منظومة صنع القرار، أم أنها كانت تحركاً يحتاج إلى موافقة إضافية؟

ومن هنا، لا يبدو استجواب عراقجي مجرد مساءلة لوزير الخارجية، بل انعكاساً لخلاف أعمق حول من يحدد هامش الحركة الدبلوماسية الإيرانية تجاه واشنطن: وزارة الخارجية، أم اللجنة السداسية، أم المجلس الأعلى للأمن القومي، أم في نهاية المطاف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

وبذلك، قد يتحول ملف عراقجي إلى اختبار لحدود استقلالية الدبلوماسية الإيرانية، ولمن يملك تفويض التفاوض مع الولايات المتحدة، وأين تنتهي صلاحيات كل مؤسسة داخل منظومة قرار تصبح فيها أي خطوة باتجاه واشنطن قضية أمن قومي، فضلاً عن كونها موضع صراع سياسي داخلي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى