الصومالتحقيقات وتقارير

ما جدوى استمرار الصومال عضوا في منظمة إيغاد ؟!

ابتداءً، تمّ تأسيس “منظمة إيغاد IGAD” باسم الهيئة الحكومية لمكافحة التصحر أوالجفاف والتنمية ( (IGADفي جمهورية جيبوتي عام 1986م بين دول إثيوبيا والصومال وكينيا والسودان وجيبوتي وأوغندا الستة وذلك بدعم من الأمم المتحدة، ثمّ عدل اسمها لاحقا باسم الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD-إيغاد) عام 1996م مع توسيع مجالات عملها الأساسية.

وإيغاد هي منظمة إقليمية كبيرة تسع مساحتها الجغرافية بـ 5.2 كم2 ولها ساحل بحري ممتد بـ 6960 كم ينقسم بين المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر، وبكتلة سكانية تفوق 230 مليون نسمة. وتركيبة دول إيغاد منقسمة بالمناصفة بين أربعة دول إسلامية (الصومال، جيبوتي، السودان وأوغندا) يمثل ثلاثة منها دولا عربية وأربع دول أخرى غيرإسلامية في هويتهم السياسية (إثيوبيا، كينيا، جنوب السودان وإرتريا) رغم غالبية إسلامية بعض شعوبها.

وإقليم إيغاد هو الأكثر عرضة من غيره في القارة للمخاطر البيئية الناجمة من التغير المناخي المؤثرة على الإنتاج الزراعي والنمو الاقتصادي في دوله، ومازال مصنفا أنه الأكثر غرقا في الصراعات الداخلية والثنائية الطويلة الأمد على مستوى القارة والتي مصدرها النزاعات الحدودية وتنازع سلطة الحكم.

وكثير من الدول الأعضاء في إيغاد تبرز في الترتيبات الأخيرة في قوائم الدول الأقل تقدما في تحقيق التنمية، ومن ثم فهي مدرجة في أوائل الدول الأكثر هشاشة والأقل أمنا على المستوى الدولي والبعض الآخر منها مرشح لاضطرابات سياسية حقيقية ستحتاج إلى تدخلات خارجية من خارج الإقليم في الفترة المقبلة، ويواجه البعض الآخر منها عدم اليقين السائد على مصيرها السياسي نتيجة عدم الوضوح في معالم نظام الحكم عندها.

ونتيجة لذلك، فإن إيغاد تعمل الآن مع العديد من الشركاء الدوليين وغير دوليين في القارة والإقليم على مستويات مختلفة لإيجاد حلول عملية أو تقديم أطروحات معالجة على تلك الاختلالات السائدة في تحدياتها الرئيسية المتمثلة بالتنمية والسلام وقضايا البيئة والتغير المناخي السائدة بين دول أعضائها الثمانية في الوقت الحالي. والدول المحورية في إيغاد هي: إثيوبيا والصومال وجيبوتي على أساس أنها دول منطقة القرن الأفريقي المشكلة دول النواة الصلبة، وعضوية السودان وكينيا وأوغندة في إيغاد مختلفة بالأساس من حيث الأهداف عن عضوية دولتي الصومال وأثيوبيا الركيزتين في جيوسياسية إيغاد رغم تمايز مواقفهم على المدى الطويل.

وعلي سبيل المثال، كان السودان يريد من عضويتها في إيغاد الانضمام إلى إطار إقليمي يساعدها على إيجاد حل قضايا اللاجئين الأثيوبيين المتدفق إليها، ويخفف عنها العبء المالي والاجتماعي المثقل على كاهلها، وأصبحت في وقت تأسيسها مستضيفة لأكبر عدد من اللاجئين في القارة بمعدل 1500 في اليوم الواحد معظمهم كانوا يعبرون من أثيوبيا.

وبالإضافة إلى ذلك، فان السودان كان يريد أيضا في ذلك الوقت تحسين العلاقة غير الحسنة مع أثيوبيا والتي سادت بين الدولتين في عهد جعفر نميري والتعاطي مع قضية الجنوب. أما جيبوتي في وقت التأسيس، كانت دولة حديثة الاستقلال، وتبحث عن هوية سياسية مستقلة لنظامها السياسي الجديد ودور إقليمي يمنعها من الانجرار في الاستقطاب الحاد أوالانزلاق في تجاذب الصراع بين الفاعلين الرئيسيين في المنطقة وهما الصومال وأثيوبيا، ويعتبر ولادتها نتيجة من نتائج صراعهما في منطقة القرن الأفريقي.

وفرضية فكرة التأسيس أصلا كانت قائمة على إيجاد آلية حكومية إقليمية تسهل تنسيق جهود مكافحة الجفاف والتصحر وتوقف سيل النازحين الهائمين على امتداد الإقليم برمته، وقادرة على احتواء النزاعات السائدة في الإقليم والتي كانت أساسا بين الصومال وأثيوبيا أونابعة من صراعهما الممتد إلى ما وراء القرون.

واقتنع المهتمون في هذا الشأن، بأنه لا يمكن إنجاز تقدم في محاربة الجفاف ما لم يكن هناك توافق سياسي بين الدول في الإقليم يتيح للعاملين في هذا المجال بالعبور الآمن للحدود بين الدول في الإقليم والانتقال السلمي في أجوائهم، وأدركوا بأن موازنات تكاليف الحروب في الإقليم فاقت على ما سواها في ميزان المدفوعات الخاصة بها.

والغريب أن الجفاف الذي حدث في الثمانينيات ساد في الإقليم كله بما في ذلك السودان وكينيا رغم التفاوت في الأثر بين دوله، وخسرت أثيوبيا وحدها في الفترة ما بين 1983-1985م أكثرمن 1.2 مليون من سكانها وقرابة 8 ملايين أصبحوا ضحاياه بعد أن خصص النظام الحاكم قرابة 50 % من ميزانية الدولة في عملياته الحربية، وذلك فيما عرف بمجاعة أثيوبيا الكبيرة.

خصوصية العضوية لدولتي الصومال وأثيوبيا

الأهداف التي من أجلها تمّ تأسيس إيغاد متركزة في منطقة القرن الأفريقي الذي هو المثلث البري الواقع في شمال شرق القارة. والصورة الجغرافية للمثلث البري يشبه فعلا قرن الأغنام في خريطة القارة، ويسكنه الصوماليون، ذلك القرن الأفريقي كعرق أو كقومية وليس كدول. وانتماء الدول التي هي غير الصومال وجيبوتي وأثيوبيا في منظمة إيغاد بالأساس هو انتماء سياسي وليس جغرافي، ولولا ضم أثيوبيا اقليم الصومال الغربي، وإلحاق بريطانيا الاقليم الشرقي لـ كينيا المعروف بـ “NFD”؛ لكان القرن كله قرنا صوماليا صرفا من الناحية العرقية والسكانية، أو كان بين الصومال وجيبوتي فقط من حيث عدد الدول التي يضمها.

ونتيجة لذلك أصبح العرق الصومالي متوزعا بين الصومال الدولة وبين دول جيبوتي (7000كم2) وكينيا (231000كم2) وأثيوبيا (627000 كم2)، ومتمدّد في منطقة جغرافية واحدة مترابطة مع بعضها البعض فرقها الاستعمار الأوروبي إلى ذلك الوضع الجغرافي المتمزق. والمساحة الجغرافية التي يسكنها الصوماليون في منطقة القرن الأفريقي أكبر من مساحة جمهورية الصومال الأصلية (637656 كم2) بنسبة أكثر من 130% بحيث أنها تساوي بـ 865000كم2، ويقطنون حوالي 64% من مساحة منطقة تلك الدول الأربعة 1.5 كم2 من أصل 2.5كم2 تشكلها المساحة الكلية للدول الأربعة.

وتأتي الصومال الدولة الثانية من حيث المساحة الجغرافية بعد أثيوبيا في دول منطقة القرن الأفريقي الأربعة الأعضاء كلها في إيغاد مع أنها تشكل هي الأقل كثافة في تلك الدول بما في ذلك جيبوتي، وتمثل وكيلا في المعسكر الإسلامي في المنطقة على مدى التاريخ المنظور.

وفي مقابل ذلك، تشكل أثيوبيا الدولة الأكثر في الاقليم، ولها حدود برية مع جميع دول ايغاد باستثناء أوغندا، وحدودها مع الصومال هو الأطول (1648) مطلقا، وبين الدولتين تاريخ صراع طويل، وحدثت بينهما حروب متعددة تعد الواحد منها (1977-1978م) الأشرس في وقته بعد الحرب العالمية الثانية.

وأثيوبيا أكبر دولة حبيسة في العالم، وهي الثانية في القارة بعد نيجيريا من حيث العدد (129مليون نسمة) ومحتضنة لمقر الاتحاد الإفريقي وممثلة للمعسكر المسيحي في المنطقة، وأصبحت دولة اقليمية في عهد الاستعمار الأوربي وبدعمه السخي.

ويوجد بين الدولتين شعور متبادل وثابت بأن الواحد منهما يعتبر الآخر مصدر القلق الوحيد لاستقراره السياسي أو مصدر التهديد الدائم لوجوده وتماسك مفاصله، ومن ثمّ يريد كلا منهما السبق في إضعاف الآخر أو الانقضاض عليه بالمعنى الأدق، وأن بقاء أحدهما قويا في المنطقة أو مستقرا في حدوده الطبيعية الأصلية مرهون بضعف الآخر أو العمل على اضعافه باستمرار، وهوما يؤدي إلى عدم التوقف في الصراع بينهما وجعل بحث مظلة اقليمية أمرا ملحا من المجتمع الدولي لاحتواء تداعياته أو السعي إلى إدارته.

وسبب الصراع شبه الدائم بين الصومال وأثيوبيا هو صراع التوازن في القوة ، ولا يوجد مثله بين أي من هذه الدول الثمانية الأعضاء في المنظمة. وتعرف أثيوبيا بأنها ابتعلت حديثا أرضا صومالية كبيرة في عهد توسعها الخارجي، وأمكن لها ذلك باستقوائها بالقوة الاستعمارية الأوروبية وضعف نمو الوعي القومي للصوماليين في ذلك الوقت، وهي بذلك تبحث عن نفس طويل تقضم بما ابتلعته سابقا وعن اطمئنان يبدد خوفها الدائم من مطالبة الصومال بما أخذته غفلة عند تغير موازين القوى في المنطقة لاحقا، خصوصا بعد اكتشاف البترول فيها دون غيرها من الأراضي الأثيوبية، كما أنها تعرف أيضا بأن القوة والهيمنة الاقليمية التي تطمح إلى وصوله لن يكتمل أركانها إلا بإزالة مصدر التهديد الذي يمثله الصومال الموحد أو الصومال الواحد، والحصول على منافذ ومواني بحرية متوفرة عندها.

والصومال من جانبه يدرك بأن الوعي القومي عندها أصبح مختلفا تماما في عهد الابتلاع والقضم بكثير، وأن أثيوبيا هي مصدر انهيار دولتها المركزية ومنبع النموذج الفيدرالي المسبب لتوزع مركز القوة وتشتيت سلطة القرار السيادي إلى أكثر من دائرة سوسيوـــ اجتماعية، وأنه لا يمكن تحقيق التعادل في ميزان القوة المختل في الوقت الحالي إلا باستعادة وحدتها القومية وعافيتها السياسية، وبهذا المعنى، فان أثيوبيا والصومال هما الدولتان اللتان بصراعهما المتجدد أو شبه الدائم في الاقليم أصبحت عجلات التنمية عندهما متعثرة، ومن ثمّ فان بقية الدول في الاقليم إما هي في حالة اصطفاف مع أحد أقطاب الصراع أوهي عانت أو تعاني من ارتداداته (الحروب واللاجئين) المتموجة.

البناء الهيكلي للإيغاد

يعتبر قمة رؤساء الدول الأعضاء السقف الأعلى للإيغاد من حيث البناء الهيكلي ولديهم سلطة التوجيه وتحديد الأهداف والاعتماد على البرامج والسياسيات العامة لعمل المنظمة، والرئاسة فيها دورية بين رؤساء الدول الأعضاء ويتولاها رئيس دولة من الدول مرة في السنة ويجتمعون كذلك مرة واحدة في السنة في الحالة الطبيعية، يليها المجلس الوزاري لوزراء خارجية الدول في الدول الأعضاء.

ويعمل المجلس الوزاري على إنشاء السياسات العامة والموافقة على برامج عمل المنظمة وميزانية السكرتارية السنوية، ويأتي بعد ذلك لجنة سفراء الدول الأعضاء اللذين هم في الغالب السفراء المعتمدون لدى جيبوتي باعتبارها دولة المقر، ثم السكرتارية العامة للمنظمة التي يترأسها المدير التنفيذي المنتخب من قبل رؤساء الدول الأعضاء لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

وتقوم تلك السكرتارية العامة بدورها على تنسيق الجهود العملية وتعبئة الموارد وتسهيل تنفيذ المشاريع والبرامج المعتمدة من قبل المجلس الأعلى. وتتكون السكرتارية التنفيذية التي هي بمثابة الأمانة العامة للمنظمات والتجمعات الدولية والإقليمية، من أقسام ودوائر رئيسية ستة تشمل في: الزراعة والبيئة، التعاون الاقتصادي، الصحة والتنمية الاجتماعية، والسلام والأمن، التخطيط والتنسيق والشراكة، الإدارة والمالية ومراكز تخصصية منتشرة على الامتداد الإقليمي للمنظمة والبالغ عددها ستة مراكز موجودة معظم مقراتها في عواصم الدول الأعضاء، ويترأس كل تلك الأقسام والمراكز رؤساء أقسام يعملون مباشرة مع مكتب السكرتير التنفيذي في مقر المنظمة.

ويبلغ عدد الموظفين العاملين في إيغاد قرابة 500 فرد مقسم بين موظفين دائمين وموظفي المشاريع والبرامج المؤقتة التي تنفذها إيغاد بالتعاون مع شركائها ويملكون على درجات متفاوتة من المهارات والمسؤوليات، والقسم الأكبر منهم يعمل في قسم السلم والأمن والمخاطر البيئية والتغير المناخي،.

وعدد الموظفين الصوماليين الدائمين أقل من خمسة أفراد، بما في ذلك نائب المدير التنفيذي الحالي الذي يمثل أعلى منصبا قياديا تولته الصومال في إيغاد منذ تأسيسها، بينما عدد الموظفين في المشاريع والبرامج لا يتعدى عددهم عن 15 فردا مقارنة بأثيوبيا التي لها قرابة 150 موظفا في إيغاد. ولا يوجد من بين هذا العدد رغم ضآلته صومالي واحد ممسك برئاسة أحد تلك الأقسام الستة التي تشكل الأقسام الرئيسية في الهيكل الإداري لإيغاد ناهيك عن المراكز التخصصية الجانبية باستثناء مركز التميز لتغير المناخ وحماية البيئة الذي مازال تحت التأسيس.

وجميع ما هو تابع للإيغاد وموجود في عرض البلاد وطوله، هو مكتبها الوطني في مقديشو وذلك المركز المتعطل ومدرسة شيخ البيطرية في الشمال التي تقوم بدور محدود في تقديم الخدمات المفترضة قيامها. وعدم تكافؤ الفرص في وظائف إيغاد ليس أمرا مرتبطا بدفع رسوم العضوية التي يتم دفعها سنويا أو عدمها رغم أن الصومال دفعت بعض تلك المتأخرات المالية في عام 2023 وعازمة دفع بعض الأخر منها في عام 2024. ومن المؤكد، أن قليلا من دول إيغاد تدفع تلك الرسوم السنوية بشكل منتظم، وغالبا ما تتأخر الدفعات المالية إلى سنين متتالية تصل إلى أكثر من خمس سنوات دون أن يؤثر ذلك على مواطنيها العاملين في المنظمة أو المتقدمين للحصول على وظائف فيها.

دورها الاقليمي

ترتكز استراتيجية إيغاد ((2025-2021 على تسريع التكامل الإقليمي والتعاون التجاري العابر للحدود بين الدول الأعضاء وذلك بهدف ضمان الأمن الغذائي وحماية البيئة وإدارة تقلبات تغير المناخ؛ وتحقيق التعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي والتنمية الاجتماعية. وتهدف إيغاد من وراء ذلك الأهداف الرئيسية إلى تحقيق التكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة للمنطقة، وتخفيف حدة الفقر، وتحقيق السلام المستدام. وتستحوذ قضية السلام والتنمية والبيئة والتغير المناخي الجزء الأكبر من الاهتمام من عمل إيغاد وفق خطتها الاستراتيجية .

وباعتبار أثيوبيا الدولة الهيمنة في إيغاد، فإن لها رؤية واضحة في عمل المنظمة وتوظف دائما لصالح ما عندها من أجندة إقليمية متعدد الأوجه حتى اصبحت أحد أذرعها السياسية في الاقليم حسب وصف بعض الخبراء في المنطقة. ويوجد أكثر من مؤشر على أن أثيوبيا استخدمت إيغاد كمظلة إقليمية تتحرك من خلالها بما لا يناسبها في الحركة المنفردة، ويظهر ذلك نجاحها بربط استراتيجية عمل إيغاد مع سياستها الخارجية الإقليمية وتوظيف رجالات الدولة عندها إلى المقاعد الصلبة في إيغاد واستخدامهما كواجهة سياسية في الاستفتاء الذي أدى إلى عملية فصل جنوب السودان عن السودان في 2011 وحشدها القوة العسكرية المتمركزة في منطقة أبيي، فضلا عن استفراد رجالاتها بالعمل في أقسام السلام والأمن وجميع البرامج المتعلقة بالسلم والأمن، وأخذها مقرات ذلك القسم كله إلى أديس أبابا.

وأغلب هؤلاء موظفون سابقون أو متقاعدون في الأجهزة الأمنية لديها بما في ذلك السكرتير التنفيذي الحالي للمنظمة التي كان وزير سابقا في أكثر من وزارة ورئيسا لجهاز الشرطة في أثيوبيا وتّم سحبه من تعين المدير العام لمكتب الأمم المتحدة في كينيا ووضع أبي حمله على طاولة إيغاد عام 2019. وأثيوبيا هي الوحيدة من بين دول منطقة القرن الأفريقي التي لا يوجد لديها ساحل بحري، ولها أطول حدود برية طويلة مع الدول الستة (5925كم)، وتريد تقديم نفسها إلى المجتمع الدولي، على أنها متحملة للمسؤولية الأكبر في الحفاظ على السلم والأمن الإقليمي في المنطقة على أساس أن لها قوات في جنوب السودان والصومال.

وتمثل التنمية الاقتصادية محورا رئيسيا في سياساتها الخارجية غير المنفصلة أصلا عن أمنها القومي، وتريد من الدول المجاورة الستة أن تعقد معها اتفاقيات تحول الإقليم كله إلى كتلة سياسية متكاملة تمتدّ فيما بينهم شبكة من طرق برية وسكك حديدية منتهية بمنافذ بحرية تكون فيه الريادة للأقوى والأضعف يكون هو السوق وربما الجسر عند اللزوم .

وتمثل تلك الرؤية الأثيوبية المعلومة نقطة الالتقاء بين تسريع التكامل الإقليمي والتعاون التجاري العابر للحدود الذي تدفع إيغاد لتحقيقه في الأمد المنظور في الإقليم ومكتوب في استراتيجيتها العملية، ومن الصعب عمليا رسم حدود واضحة بين أولويات أثيوبيا الإقليمية وبين استراتيجية عمل إيغاد ووجوهها الرسمية على المستويات المختلفة.

وتجارة القات التي تكسبها أثيوبيا 25 مليون دولار شهريا تعرفها إيغاد على أنه التعاون التجاري العابر للحدود، وقد لا تجد في منشوراتها الصادرة عن قطاعها الصحي دراسة علمية تنظر في علاقة مضغ القات على الصحة العامة وتأثيره على انخفاض الإنتاجية العامة والعلاقات الأسرية. ويؤكد ذلك ماقاله السكرتير التنفيدي نفسه لإيغاد عام 2021 بمناسبة مشاركته في افتتاح مركز الحدود الأفريقية ، قائلا: “عندما لا تعبر البضائع الحدود، فان الجنود هم من سيعبرونها”. بمعنى آخر، فان التعاون التجاري العابر للحدود هو أفضل وسيلة لردع الصراعات…” . والقات هو المنتج الرابع لأثيوبيا الذي تصدره باستمرار إلى الصومال وجيبوتي، وأن أكثر من 10 % من إيرادات أثيوبيا السنوية يعتمد على تجارة القات. وفي مدن مثل هرر ودرداوا في أثيوبيا فإن 40-60 % من دخلها السنوي يعتمد على تصدير القات إلى جيبوتي، ولا يشمل ذلك رسوم الجمارك الذي تأخذه في المعابر والمنافذ البرية منها والجوية عند تصديره إلى دولها المجاورة.

موقف “إيغاد” من مذكرة التفاهم الموقعة بين إثيوبيا وبين صومال لاند

موقف إيغاد الأول في مذكرة التفاهم الموقعة بين صومال لاند وأثيوبيا ودعوتها المخجلة إلى الحوار وتهدئة الموقف يعكس هذا التداخل بين استراتيجية إيغاد ورؤية أثيوبيا الإقليمية وهو موقف مناقض على معاهدة التأسيس في 1986 والمعدلة 1996 المنصوص على الالتزام بمبدأ المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء في إيغاد.

ومادام إثيوبيا تعطي أولوية قصوى في تنويع منافذها البحرية وتأمين مصالحها الحيوية، فإنها ليست مع مسار التمنع من حيث المبدأ، ولا تريد بأن تكون حماية الدول لسيادتها على حساب تبادل المنفعة فيما بينهم أو المصالح المتبادلة الثنائية بين دول إيغاد.

ومن البداية تعامل إثيوبيا مع الشأن الصومالي له أكثر من نهج مختلف غير منسجم مع بعضه البعض، ولها شبكة استخبارية كبيرة وممتدة تعتمدها الدول الحليفة معها في المنطقة بما في ذلك الولايات المتحدة في كثير من الأحيان عليها، وتقدم نفسها في العالم على أنها الأكثر دراية بشأن الصومال ودينامياتها السياسية والفاعلين في مشهدها السياسي المضطرب.

وركائز هذ النهج هو العمل على اضعاف الدولة المركزية والتعامل المباشر مع الولايات وحماية نزعة انفصال الشمال عن الجنوب. وفي قضية صومال لاند فإنها تقوي المنظومة الأمنية والعسكرية لـ صومال لاند باستمرار، وساهمت في وقت طويل تقوية مناعتها السياسية وبينهما تبادل تجاري واسع النطاق، وتوفر لها مظلة سياسية جعلتها محافظة على المكاسب السياسية التي حققتها في المجالات المختلفة على المدى العقود الماضية وأعطتها منبرا سياسيا يمكنها الوصول إلى المجتمع الإقليمي والدولي.

ومدينة جكجكا تبعد عن النقطة الحدودية مع شمال الصومال حوالي 50 كم، وهرجيسا 143 كم و301 عن بربرة و404 عن هرر، وهي المدينة التي تريدها أن تكون رأس جسر يربط بين أثيوبيا الشرقية وشمال الصومال لكثير من الأسباب. ولهذا السبب فإن إيغاد لا تريد أن يكون دورها هو دور المدافع والمحافظ عن ميثاق المنظمة بقدر ما تريد السعي إلى تهدئة الموقف والدعوة إلى الحوار واللجوء إلى الخيار الدبلوماسي اتساقا مع الموقف الأثيوبي المناقض لميثاق التأسيس بوضوح.

وفي كثير من الأحيان فان إيغاد لها مصلحة مباشرة في نشوء النزاعات نتيجة حصولها على دعم مالي من مانحيها وشركائها في قضايا الوساطة وفض النزاعات بين الأطراف المتنازعة.

وأحد الأسباب التي تجعل ذلك أن السكرتير التنفيذي لإيغاد هو معين من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أكثر مما هو منتخب من رؤساء الدول الأعضاء في إيغاد وهو عسكري لا يستطيع الفكاك من خضوع لسلطة سياسية أعلى منه، ويعرف أن قضية مذكرة التفاهم هي رغبة شخصية لأبي قبل أثيوبيا، وتحقيق طموح أبي في مواني شمال الصومال يوازي مع طموحات أخرى في الاقليم سواء في كينيا وجنوب السودان، ويؤمن مشروع أنبوب الغاز (765كم) الذي تريده أثيوبيا عن طريقه نقل الغاز المكتشف في إقليم الصومال الغربي إلى البحر الأحمر ومياه خليج عدن لتصديره إلى الخارج، والذي تفاوض مع جيبوتي بشأنه منذ 2019م إلى جانب قاعدة عسكرية مجاورة للقواعد العسكرية العديدة الموجودة في بلادها.

خاتمة

لم يكن دور إيغاد في النزاعات الداخلية والثنائية التي حصلت بين الدول الأعضاء فيها منذ التأسيس نزيها، وفي أغلب الأحول كان مدفوعا من قبل أثيوبيا أو منحازا إلى موقفها السياسي باعتبارها الدولة المهيمنة أو ضعيفا باهتا لا يتناسب مع حجم الموقف وطبيعة الحدث، وهو ما أدى إلى انسحاب أريتريا منها عام 2007 لأسباب من ضمنها دخول أثيوبيا في الصومال عام 2006م وإصدار السودان قراره بتجميد عضويته في إيغاد خلال هذا الشهر إلى أجل غير مسمى.

ومراجعة عضوية الصومال في إيغاد ضرورة مرحلية، ووضعها الحالي لا يساعد الصومال في ترتيب أوراقه الداخلية في المرحلة المقبلة، وأن تربع شخصية ذات خلفية عسكرية في رئاستها التنفيذية أفقدها مصداقيتها الوظيفية خصوصا بعد موقفها المعروف من حرب تيغراي في أثيوبيا، وهو ما يعد سابقة في العمل السياسي الإقليمي على مستوى الدولي. وهذه المراجعة يجب أن تنتهي بالوصول إما إلى عضوية تكون فيه مبادئ الحفاظ على ميثاق ومعاهدة التأسيس وتكافؤ الفرص مكفولة للجميع أو اللجوء إلى خيارات إقليمية أخرى عديدة ومتاحة أمام الصومال.

ويجب أن تكون هذه المراجعات جزءا من مراجعات عامة تحتاجها البلاد بالإسراع فيها من أجل هيكلة علاقات الصومال مع المنظمات الدولية والاقليمية والعلاقات الدبلوماسية الثنائية مع الدول ووضع ترتيبات مة تساعد البلاد على تحديد موقعها من المعادلات الإقليمية والدولية في المراحل القادمة والتي بلا شك ستكون فاصلة في العمل الإقليمي والدولي.

اترك تعليقاً

إغلاق